ابو البركات

200

الكتاب المعتبر في الحكمة

استضرار بالأشياء الحارة والباردة وأقلهما منها أكثر استضرارا بهما فنعلم من هذا ان الحرارة المزاجية إذا قصرت أو زادت على الحد المناسب لطبيعة الشخص ضرّته وأمرضته أو قتلته وان تلك كلما كانت أكثر كان أقوى وأصح فهذه غير تلك وهذه موجودة في الميت من الحيوان ومزاجه وتلك مفقودة فيه وبهذه يعفن الميت ويفسد جسده وبتلك تبطل العفونة فان العفونة كما قلنا تكون بحركة الاجزاء النارية في الأمزجة الرطبة التي لم يستحكم امتزاجها بها والحرارة الغريزية تمنع هذه الحركة بدوام الطبخ والمزج فلا تعفن ما دامت تطبخها وتستولى عليها كما لا تعفن ما تستولى عليه حرارة طابخة نارية أو شمسية فإذا زالت عنه وفي مزاجه الرطب قلة استحكام في الامتزاج بحركة ناريته التي لم يستحكم مزاجها إلى الانفصال فاشتعلت بهوائيته واغلت مائيته فانفصلت ارضيته بعفونته فهذه هي الحرارة العفنية والحرارة الغريزية أخرى لا محالة وهذه الحرارة توجد في بدن الحيوان عن نفسه وصورته التي بها هو حيوان في روحه وبوساطة الروح في أعضائه فمحلها الأول من بدن الحيوان الروح والثاني الأعضاء التي تخللها الروح فهي في الأعضاء من الروح وفي الروح من النفس وبها تتصرف القوى النفسانية في المواد البدنية والأغذية الواردة إليها فتطبخها وتحيلها وتمزجها وتشبهها وتعقدها وتعيدها خلفا عما يتحلل من الأعضاء وزيادة للنمو كما مضى وكلما ضعف تشبث نفس الحيوان ببدنه ضعفت هذه الحرارة فيه حتى تفارقه تلك فتبطل هذه منه فيلمس باردا بعد ما كان حارا ويبقى في مزاجه ما فيه من الحرارة العنصرية النارية التي لم يستحكم مزاج اجزائها بما هي ممتزجة به فتعفن الجملة بحركة هذه الاجزاء فيها فيسخن بالعفن فلا تكون الحرارة العفنية التي يفسد بها الجسم الميت من نوع تلك الحرارة التي كانت بها حياة الحي ولو كانت هذه الحرارة عنصرية مزاجية لا خلف الغذاء بدلها وحفظها التدبير بالدواء فما كانت تضعف في الشيوخ ولا تقلّ ولا الحيوان يشيخ ولا يضعف لكنه يضعف ويشيخ مع اختلاف التدبير ولا تجد لها عوضا من الحرارة التي في الأدوية والأغذية التي إذا